أوهام وهزائم صغيرة

أكتوبر 13, 2008

 


كقِطعةٍ نقدية كلا وجهيها يحملان نفس الصورة كنت أقذفها عالياً وأختار الخيار الغير موجود أصلاً على أمل أنه سيأتي, غداً سأكتب بالتأكيد غداً سأُشفى من حزني وسأكتب , سيظهرُ الوجه الآخر للعُمله وسأكتب أي شيء المهم أن أكتب,هكذا قضيت أياماً خلت .. خلال فترة إنتظاري لوجه العملة الغير موجود لم أتمكن من كتابة أي شيء ,حتى أني لم أجرؤ على زيارة مدونتي ولو بتعليق عابر , كنت أحاول أن أخطب ود قلمي , لكنه كان يتنكر لي , كنت أحتاجه كثيراً , ملبوس بالآحزان بائس جداً , تحديداً منذ رحل عزيز , حاولت أن أكتب لكني لم أستطع , رغم كل هذا الجفاء بيني وبين قلمي , لم أجرؤ أن أُبعده عني , كان قريباً مني , تماماً كنبتة خضراء تُنقي الجو من جزيئات ثاني أكسيد الكربون التي ينفثها صدري المتعب , وتمدني بأكسجين نقي , لذا كنت أقربه مني لأتنفس , ليس هذا فحسب بل لأني أشعر أن يوماً ما سيأتي وسيمكنني هذا القلم من نفسه .

حدث ذلك , يوم أن إستفزني واسيني الأعرج بمقولة قرأتها له على عُجالة , كنت أتصور أنها ستكون عِبارة كبقية العبارت التي أقرأها في أيام ضعفي , أضع إشارة حولها بلون أحمر أن سأعود لك يوماً لأقرئك بذهن صافٍ , إلا هذه العبارة كان وقع أحرفها قاسٍ جداً على يافع في عالم القلم وهو يقرأ واسيني يقول (عندما نكتب نتقاسم مع الناس أوهامنا , وبعض هزائمنا الصغيرة!)
لم أتجاوز هذه العبارة قبل أن أتأكد هل أنا من الذين يقصدهم واسيني في نون الجمع أم أني أختلف عنه , لو كنت كذلك لكتبت الآن وهزيمتي كبيرة , لكن مع ذلك لم أكتب يا سيدي ,أتصور أني أكتب حينما تكون قطرات الحبر ذرات أكسجين تنعش الجو , أكتب لأعيش في الغالب ,أممم هل يعني هذا أني إن توقفت عن الكتابة لن أتمكن من مواصلة العيش , لا أتصور ذلك , واسيني هل تريد الحقيقة لا أعرف متى أكتب , هو ناموس يأتيني فأكتب , لا أستطيع أن أحدد متى يأتي هذا الناموس ..

ماذا عنكم يارفاق* متى تكتبون ؟

 

*كنت سأقول لكم ياأصدقاء لولا أن كزانتزاكيس يقول ( لا تبحث عن أصدقاء وإنما عن رفاق)

 

Advertisements

بالون وطائرة

سبتمبر 16, 2008

 

وتأتي ذكراكِ مع كُلِ قصيدةٍ أقرأُها , تمسك بيدي وتصحبني لذاك المساءْ وتِلك الكلماتْ , يوم أن أخذتُ أثني على قصيدتكِ كثيراً حتى وَصلتْ بي الحماقة أن أُشبهكِ بالسياب في منديلهِ الأصفر !! قُلتي لي : أنت تبالغ في المدح , وتملأ بالُونِيْ بالهواء فيرتفع كثيراً ويرى الناس من حولهِ صغاراً حتى أنه قد يراك أنت كذلك !! .. قلت لكِ مُباشرة لا تخافي بإبرهٍ واحده أعيد بالُوَنكِ إلى مكانه ودون أن يكون قادراً على التحليق مرةً أُخرى , قُلتي لي بإبتسامة : وأنت كم إبره أحتاج أن أستخدِمها لأُعيدكَ لمكانكَ حينما ترتفع , بادلتك إبتسامتك بتفاصيلها وقلت :لا أنا طائرة بمحرك نفاث لا تستطيع ألف إبرة أن تُسقِطها , يومها لم أجهد نفسي كثيراً في الحصول على تشبيهٍ كهذا , حتى أنتي لم تلقي بالاً لهكذا وصف ,فهو يمر كثيراً في مهاتراتنا الورقية والكلامية ,حينها لم أكن أعلم أني أُقيدُ نفسي بعبارة , لم أكن أتصور أني أضع علاقتنا في إطار كلامي فصلته بيدي ذاتَ حماقة ,اليوم وكل يوم تعود تلك العبارة لتطرق بابي بألم , تعود وأنا أرى طائرتي بمحركها النفاث قد تهاوت على الأرض ,بعاصفةٍ واحدةْ منك أسقطتي طائرتي وأخفيت ملامحها ومات طاقمُها وركابُها , أما أنت فأعظم ما أصاب بالُوَنكِ هو إبرهٌ بسيطة وتقبلها بلا ألم بل وأفرغ الهواء بإرتياح لأنه كان هواءً مسموماً كما يراه , الآن بعد نيفٍ من الهزائم من منا تحمل الضرر الأكبر ! , أطائرةٌ لم يبقى من ملامحها سوى صندوق أسود يختزل ذكريات الرحلة الأليمة ويعيد عرضها كلما حن للجُرح , أم بالُونْ أتعب رئتاً في نفث الهواء فيه , ومنها تعلم كيف يعلو , ومن صدره كان يقتات طعامه ويعلو على أقرانه , واليوم يعود بالونكِ بلا هواء ولكن بتجربة جميلة على الطيران , ورغبه أخرى في تجربة هواءٍ آخر !

رمضان في واجب

سبتمبر 13, 2008


وصلني هذا الواجب التدويني من الأخت كريستال , حالياً أتوقع أن مهمة الكتابة هي أصعب مهمة أمارسها ,لأن الكتابة بالنسبة لي تتطلب صفاء ذهنياً , قلما أجده هذه الأيام , أغبطهم أولئك الأصحاب الذين يسيرون أقلامهم في كل الأوقات أتمنى أن أكون منهم يارب .

نعود للواجب والمتعلق بهذا الشهر الكريم

1 : في ثلاثة أسطر من انتِ !

أنا =ياسر

ياسر= الذي يجيد عزف المشاعر

الذي يجيد عزف المشاعر = الذي يحبكم

:. إذاً

::أنا الذي يحبكم::

2 : ماذا يعني لك شهر رمضان !

سألني أحدهم ذات رمضان هذا السؤال قبل حوالي 5 سنوات , فقلت له :

رمضان بالنسبة لي هو كمحطة الوقود , تقف عندها وتأخذ من الوقود ما يجعلك قادراً على السير للمحطة القادمة.

بعد خمس سنوات أستطيع أن أقول نفس العبارة , إلا أنك تقف أمام المحطة تأخذ من الزاد الرباني مايشفع لك أمام ربك .

3 : ما هو جدولك اليومي في هذا الشهر الفضيل !

مع الدوام الجديد أصبح جدولي يبدأ مع صلاة العصر , حيث أصلي العصر ويكون لي سويعات أقضيها في محرابي , أصلي المغرب وأفطر طبعاً , بين المغرب والعشاء جلسة عائلية في ضيافة “عيال قرية” , بعدها أصلي التراويح غالباً في مسجد حارتنا , وبعد العشاء أبدأ دوامي الرسمي وهو ممتع نسبياً ومُتعِب كلياً, يمتد الدوام هذه الأيام إلى الساعة 1ص , أتوجه بعدها للسحور إما مع أصحابي الذين أحبهم , أو أبناء خالتي أو أي إرتباط كان , أعود للمنزل مع الثالة فجراً , أبدأ في تصفح الإنترنت إلى قرابة السادسة أو تزيد بقليل (على حسب الحماس) , أخلد للنوم الذي لا يعكره إجتماع صباحي ..

4 : موقف حدث لك في رمضان و لا تستطيعـ\ـن نسيانه أبدا !

في الحارة القديمة , هناك حيث يشغل بيت جدي رحمه الله مساحةً من الحياة ومن الصفاء , كان لرمضان معنىً رائع في نفسي , أذكر أنه يقع في حي شعبي كغالب البيوت آنذاك ,في أحد الأيام رأيت أطفال الحي وقت صلاة التروايح وهم مصطفين أمام أحد البيوت والبهجة تغطي ملامحهم سألتهم مابالكم , سحبني أحدهم لركبهم , وأنضممت لجموع المصطفين في ذلك الطابور أتى دوري !! ,أنا الآن مقابل الباب رأيت عجوزاً خلف الباب قبلتني وقالت أنت ولد فلان! ثم وضعت في جيبي الأيمن كمية كبيرة من الحلويات وقالت لي قول معاهم : قرقيعان وقرقيعان بين قصير ورمضان , عدت للبيت وأنا أردد ماعلمتني إياه تلك العجوز , والحلويات أجود بها على إخوتي حتى رأتني أمي .. وكانت الدموع حيث كان للملعقة الخشبية نصيب في يدي وجسمي , فكيف تتجرأ ياياسر وتدور على بيوت الحي , وأنت قايل أنك بتروح تصلي لو صدمتك سيارة , لو خطفك أحد , لو لو لو .. كنت حينها في ثالث إبتدائي ومازلت أغني قرقيعان وقريعان J

5 : الوقت الروحاني لك لقراءة القران الكريم !

بعد الصلاة العصر حينما يتحول المسجد إلى خلية نحل تسمع فيها أصوات القراءة من الصغير من الشيخ من السائق , كلهم يقرؤون ولسان حالهم يارب جنتك ..

6 : أنسب وقت لك لتصفح المدونات !

بالنسبة لي قبل الفجر بساعة إلى الساعة 6 صباحاً

7 : قارئ تحبـ \ين أن تصلي معه ( تخشع مع قرائه ) !

إمام مسجدنا وحسب ..

وأحب أن أسمع للشيخ خالد القحطاني والشيخ ماهر المعيقلي

8 : وجبة تحرص \ين على تواجدها في الفطور !

التمر وكوب ماء بارد, هما أقرب الوجبات وأهمها بالنسبة لي .

أما ماسواها فما تجود به يدي والدتي والخدم يرضيني دوماً

9 : و جبة تحرص\ين على تواجدها في السحور !

لا شيء محدد أبداً

10 : أكثر شيء تحرص\ين عليه في ليالي رمضان ..

خصوصا بالعشر الأخيرة !

أن أردد في حركاتي وسكناتي اللهم أنك عفوٌ تحب العفو فأعفو عني .

11 : أشخاص تقدم\ين لهم دعوة على الفطور !

كل الذين أحبهم والذين يقرؤن هذه الأحرف , خصوصاً العزاب منهم والطلاب الذين أبعدتهم الحياة عن موائد أمهاتهم لأني شعرت يوماً بهم ..

12 : اشخاص تقدم\ين لهم دعوة على السحور !

كل الذين تبدأ رحلتهم في عالم الإنترنت مع الثلث الأخير من الليل , وإلى أولئك الذين يُشرِقون خلف الحدود من أصحابي وأقاربي , محمد وخالد وأحمد وبدر في لندن , محمد وإبراهيم في أستراليا , فيصل ومحمد وأحمد في أمريكا , كلكم أتشرف بدعوتكم وأشتااااقكم

13 : لماذا لا نشرب الفيمتو الا في رمضان :p !

لأن الذكريات تكتب النص ونحن نمثل.

14 : ولماذا 90 % من انتاج المسلسلات العربية لا يتم الا في رمضان ..؟؟

أنا لا اتصور أنها مؤامرة أو شيء من هذا القبيل , لكن ربما أن الطابع الإجتماعي في رمضان يجعل من التسويق لهذه المسلسات أمر أسهل , ويجعل نجاحها كذلك أسهل وهذا مايهم المُنتِج.

15: هل سيكون للعمرة نصيب في جدولك في هذا الشهر ..؟؟

كنت قريباً من أردد “اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ….” إلا أن ظروف وظيفتي الجديدة قد حرمتني منها , كل ما أطمح إليه الآن أن تتمكن والدتي من أداء العمرة , فهي بحق تشتاقها ..

16 : دعاء تحرص\ين على ذكره يوميا قبل الفطور ..؟؟

ذهب الظماء وأبتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله , ياربوفقني لخيري الدنيا والآخرة .

17: لماذا اغلب الناس لا يشترون أغراض رمضان الا في آخر يوم من شعبان !

ربما رواتب شعبان تحكمهم , ربما أنهم يحبون أن يستمتعوا بالإنتظار ساعتين أمام المحاسب , ربما وربما وربما , لكن الأكيد أني سأملك إجابة أدق حينما يكون لي بيت خاص وأسرة خاصة بإذن الله J

19: أسئل \ــي سؤال وجاوب\ي عليه !

مكان تتمنى أن تصوم رمضان فيه ؟

كثيرة هي الأماكن لكني أتمنى أن أصور رمضان في:

قريتي , مصر ,القدس , ماليزيا , لندن , وفي جزيرة أكون أنا الشخص الوحيد الذي يصوم في جنباتها ..

20: خذ\ي نفس عميق .. وأكتب\ي كلمة أخيرة ..؟؟

آه . . (نفس عميق أحتاجه الآن)

يارب لا تجعل هذا آخر عهدنا برمضان…آمين

أخيرا

حينما ترون هلال العيد أهديكم هذه الأنشودة التي دوما أحرص على سماعها قبل كل عيد (بإيقاع) .


ياسر زين

سبتمبر 10, 2008


بإكتمال اليوم الإربعاء , يكون قد مر 10 أيام من هذا الشهر الكريم

وبإكتمال هذا اليوم يكون قد مر إسبوع كامل على وظيفتي الجديدة<<مبرووك

نعم فبعد حسبة بسيطة للمدة المتبقية لي هنا , وهي قرابة شهرين أو يزيدون

رأيت أن بقائي بلا وظيفة , سيقلل من قدرة عقلي بنسبة 37.4%

وبتيسر من الله عُرِض علي وظيفة في إحدى شركات الإتصالات الجديدة في السعودية<<يعني موب زين

-طبيعة الوظيفة تتلخص في No Time Limit 

-لايوجد شيء إسمه دوام مكتبي يبدأ في وقت معين وينتهي في وقت معين

-في بعض الأيام كنا ننتهي الساعة 2مساء وفي بعض الأيام لايوجد حاجة للدوام<<طبعا مابعد مر هاليوم الي مافيه دوام

-لايوجد شيء إسمه إجازة نهاية الإسبوع<<يعني تقريباً وظيفتك سواق

بعد أسبوع واحد أستطيع أن أصرح بماهو نصه :

وظيفتي حرمتني من تلك الروحانية التي كنت أجدها في هذا الشهر الفضيل

حرمتني من تلك المتعة التي كنت أجدها وأنا أتنقل في مدونات الأصدقاء

حرمتني من كُتبٍ كنت أتصفحها قبل أن أنام

 

ولكن دعوني أحدثكم عن أول أسبوع

ثاني يوم في الوظيفة أتيت متأخراً ساعتين مديري يسألني ياسر أنت فاكر إنك وزير<<أقول في نفسي بلاك ماتدري أنها كم شهر وتارككم

خلال هذا الأسبوع إستطعت أن أكون جبهة معارضة في الفريق الذي أنتمي له <<موب قليل شر

حيث كنت أفتح حوارات مع الموظفين عن أهمية إعطاء كل ذي حق حقه

فلربك عليك حق , و لنفسك , و لزوجتك , و لأبنائك , و لقرائتك , و لأقاربك , و لعلاقاتك الإجتماعية

الآن أستطعت أن أقنع 2 من أصل 7 أدعوا لي أني بعد شهرين أكون أقنعت الفريق كله

أحدهم كنت أناقشه عن وضعه في الوظيفة قال لي أنا مستعد أن أداوم 24 ساعة

قلت له وأولادك وزوجتك , قال لي هذولي ما يأكلون عيش

قلت له ياصالح كل أموال الدنيا تتلاشى كلها حينما يقول لك ولدك يايبه قصرت بتربيتي

سكت صالح هنيهه ثم سكت هنيهات<<ما يقلد نور أبداً

وقال ماعليك إن شاء الله مهوب قايل, قلت إن شاء الله مايقول.

هذا الأسبوع كان كله دورة تدريبيه في الرياض

القهر أن هذا أول رمضان يكون أهلي فيه خارج الرياض : (

 

شو فيه كمان<<ياسر الشامي

أتمنى أن يأتي اليوم الذي أقول لكم فيه

اليوم وقعت ورقة إستقالتي الثانية

وغدا بإذن الله سأسافر لأكمال دراستي

 

شكرا لكم

أحتاج الآن . .*

سبتمبر 6, 2008

أحتاج الآن إلى رسالة من صاحبي ومن شاركني

 تفاصيل حياتي حتى إسمي , أرسلها ذات رمضان

قبل أربعة أعوام يقول لي فيها :

(من أدمن طرق الباب يوشك أن يفتح له,

 فأدمن طرق باب السماء يا ياسر)

 

* في هذا التصنيف الجديد , سأنقل لكم مباشرة

كل ما أجد روحي بحاجةٍ إليه ,دمتم أوفياء

عن أُمي أحدثكم

أغسطس 31, 2008

 

 لم يخطر ببالي يوما من الأيام أن أكتب عن أمي , لا أدري كيف أتجرأ الآن وأُحَبِّر هذه الصفحة بكلماتٍ عن أمي , لأني كنتُ ومازلتُ أؤومن أن للغة مهما عظمت حدوداً لا يمكن أن تتجاوزها , وأن هناك أشخاص نظلمهم حينما نصفهم بكلمات هي دارجة في هذه اللغة , وبحروف أبجدية تأخذ مكانها ضمن الـ28 حرفاً , كنت أتمنى أن هناك قاموساً خاصاً بكلمات خاصة , لأكتب فيه عن أمي , لأحدثكم فيه عن حلوة اللبن , أو” يوه” كما أحب أن أناديها بلهجةٍ نجدية قديمة .

 

أعذريني يا أم سأتجاوز حدودي وأكتب عنك , لن أكتب لأجلك , فالكلمات هي من تتشرف حينما تقترن بك , لكني سأكتب من أجلي أنا , سيكون هذا الموضوع هو الأقرب لقلبي, سأقرأه مِراراً وتكراراً كلما خبا فيني الشوق سأعيد قرائته, سأراك تتربعين على عرش صفحتي , ستصلني رائحتك الزكية , وستصلك حتما دموعي الحارة.

 

بعد شهرين أوثلاثة  سأودعك يا أُم وأسافر لإكمال دراستي بإذن الله , حاولت أن أضع سيناريو محتملاً للحظة الوداع , لكني لم أستطع , في كل مرة كانت تغلبني دموعي , وأرفع يديّ مستسلماً ,في النهاية قررت  أن أودع فيك كل يومٍ شيئاً على مدار شهرين قادمين , وفي يوم الوداع الحقيقي سأنهار يا أمي , لأني مهما ودعت فيك فلن أبلغ شيئاً , أنتي التي تقولين دوماً ياياسر حينما تسافر أحكم إغلاق غرفتك , لا أريد أن تصلها أيديهم , وأنا أعلم أنك تريديني أن أغلقها لكي لا ترهقكِ ذكرياتي , هناك في قلبكِ الحنون أعلم أني أشغل مكاناً آمناً , أما أنا يا أم فسأضع في حقيبتي معطفاً لكِ , سأصحبه معي سأجفف به دموعي تلك التي تسبقني الآن , سأشمه في كل يوم قبل أن أنام , بل سأحضنه يا أم وأنام , من الآن ولمدة شهرين قد تستيقظي ذات مساء وتشاهدي طفلك الكبير قد تمدد بقرب سريرك ,إبنك الذي سيفتقد كثيراً صوتك الدافيء الذي يتسلل مع أذان الفجر ليوقظه للصلاة , سأحن كثيراً لدعوتك تلك التي تغلفين بها خوفي وترددي حينما يصحبني , وتضعينها كربطة عنق تقترب من أعلى صدري وصوتك الخاشع يطرز ثناياها وأنتي تقولين : ” الله يخليك لعينٍ ترجيك” , وأي عينٍ ترجيني سواك يا أم! سأشتاق كثيراً لهذه الدعوة .

 

سأذهب هناك وكل همي أن أجعلك فخورة بإبنك , أريدك أن ترفعي رأسكِ عالياً, تماما كما فعلتي يوم تخرجي , أتذكري ذاك اليوم , كم كنت سعيداً أنه تم إختياري لألقي كلمة الخريجين لم أفرح لنفسي ,بل فرحت لك يا أم, خبئت عنك ذلك الخبر , كنت أريدكِ أن ترفعي رأسك عالياً وهم ينادون على إبنك ليلقي كلمة الخريجين , كنت أتحدث وأمامي راعي الحفل , كانوا قد أشاروا إلي أن أوجهة نظري لسموه , ولكن كانت عيناي تبحث عنكِ* وأنا ألقي كنت أصمِتُ قليلاً لأتخيل شعورك وقتها , ماذا تراك كنتي تعملين في هذه اللحظة  أتراك كنت تبكين أم تستمعين أم تسجلين صوت إبنك ؟ في آخر الكلمة كانت هناك كلمة شكر أوجهها للأمهات , أتذكري يا أمي أني بكيت حينها , غالبت دمعتي لكنها غلبتني , من أجلك أنت يا أم ذرفت تلك الدمعة , أتراك كنتي فخورةً بي! , بعد الحفل مباشرة كان الأصحاب يهنئون بعضهم , أما أنا فخلعت مشلحي وذهبت لمنصة الأمهات ولبسته مرةً أخرى وأتيت إليك , كنت أتمنى يومها أن أرى تفاصيل وجهك الذي أخفاه النقاب , كنت أريد أن أرى دموعك ياأُم , أتذكرين يوم أن حظنتيني وبكيتِ بصوت عاليٍ , وأنا كذلك بكيت يا أم ولكن بصوت أقل حده وأقل ألقاً من صوتك بكيت , وسأبكي يا أم , أتذكر دموعك وهي تعانق صدري , وتتذكرين دموعي التي طالما عانقت حضنك الدافئ , لكن شتان بين دموعنا يا أم , فدموعي حزن وألم , ودموعك فرح بإبنك .

 

أحاول أن أصمد أمام طوفان عواطفي تجاهك , لكني أنهار مرة أخرى وأنا أقلب في جوالي , لتأخذني أصابعي إلى حافظة كنت قد خبئتها في ركنٍ قصي , وعنونتها بـ”روائعهم” , بها 7 رسائل , خمسة منهن تحمل إسم “ست الحبايب” أقرأها وأبكي يا أم , أبكي على صدقها , أبكي على روعة أخطائها الإملائية لإمرأة تحمل من شهادات الدنيا الكفائة المتوسطة, أذكر تفاصيل كل رسالة ومتى أرسلتيها , حتى شعوري لحظة أن وصلتني تلك الرسائل , أشعر بأنها لوحة أمام ناظري وماعلي إلا أن أتأمل في تفاصيلها, أعرف رسائلك من أخطائك الإملائية , فحين لا يكون بقربكِ أحد تضطرين لأن تكتبي بنفسك وهو أمر شاق لإمرأة مثلك , أشعر أني أريد أن أبكي من رسائلك التي كتبتها بيدك , على عكس الرسائل التي تصل من هاتفك , لكني أعلم أن مي أو نجلاء قد إرتكبتا ذنب كتابتها , أتذكرين يا يوه رسالتك التي تقولين فيها :”وش اخبرك وصتي عندالعال الله يحفصك امين” كم بكيت يا أم حينما وصلتني هذه الرسالة , كنت تريدين أن تقولي : ” وش أخبارك وصلت عند العيال الله يحفظك آمين” أتذكرينها ! اليوم يا أم مر عامٌ كامل على هذه الرسالة , أرسلتها لي الصيف الماضي حينما كنت مسافراً لمحمد وخالد وعزيز بلندن , كنتي تريدين أن تطمئني على إبنك أوصل أم لا , يا أم ترهقني هذه الرسالة كثيراً , تبكيني يا أم كثيراً , أقف حائراً أمامها, أم تراك تذكرين رسالتك تلك التي أرسلتها ذات صباح ولم يكن لنجلاء أو مي أن يصحوا صباح أحد أيام الصيف فأرسلتي لي تقولين : “الله يطعمك من خيره وكفك شرها امن” كنت تقصدين وظيفتي الجديدة وتدعين لي , حروفك بأخطائها الإملائية تأخذ حيزاً كبيراً في قلبي , أشعر بصدقها , أريد أن أقبل رأسك حينما تأخذني يدي إليها , على عكس رسائل مي ونجلاء الخالية من الأخطاء اللغوية كدعواتك الصادقة , ياااا أم هل لك أن تعذريني , الآن رأيت رسالةً كتبتها بيديك لكني نسيت يا أم متى أرسلتها ولماذا , أعذريني يا أم  فلا أذكر شيئاً عن حروفك التي كتبتها يوم أن أرسلت لي : ” الله يحفصك ورعك” أعلم أنها دعوة خالصة بالحفظ والرعاية , لكن أرجوك يا أم سامحي إبنك فقد نسى تفاصيلها , أعلم أنك ستفعلي ..

 

سامحيني يايوه فقد تجرأت كثيراً , وكتبت عنك , وأي حماقةٍ أفعلها أكبر من أكتب عنكِ , أنا الذي قد عاهدت نفسي أن تبقى مكانتك بقلبي وأترجمها بأفعالي , اليوم أتجرأ عليك وأكتب عنك يا أمي ,قد يكون الله رزقني أب هو أب فحسب , لكنه رزقني أماً هي أم وأب وصديق وأخ , كيف لي أن أجسد كل هؤلاء بحروف يكتبها غيري , وبكلمات يتقنها غيري أكثر مني ,سامحيني يا أم سأنام الآن وأنا أحتضن رسالتك التي كتبتها لي قبل 10 سنوات وختمتها بعبارة أمك المحبة الجوهرة , يا أم في كل يوم أقرأ هذه الرسالة وأحتظنها قبل أن أنام , أعطرها من الخلف لأني أخشى على حروفها من الكحول , وحروفها أسكرتني كثيرا يا أم , سامحيني سأنام الآن لكي لا أتعبك وأنت توقظيني غداً لصلاة الفجر ياجوهرتي.**

 

*في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يسمح بحضور الأمهات لحفل التخرج والحمدلله 🙂

 **بحق أعتذر منكم على التنسيق الذي يكرر خيانته لي , أجد حرجا في أن أطلب من أحدهم مساعدةً ما .

همس روح لا صرير أقلام

أغسطس 27, 2008

أن تنام ويوقظك الكلام , ألف حرف لم ينم في وجدانك

 يتوسل إليك أن تقوله لتعدمه فترحمه ..

وقلمك يعاندك ليرضي غروره , والأحرف لا ترحم ..

بين ألم الأحرف وشح الأقلام, قتلتني المشاعر ..

لم يبقى سوى الدموع , تنهمر لأي مشهدٍ كان ,

وكأنها سجين يتسلل خلسة خارج سجنٍ لم يعد له مفتاح ,

 وأي مفتاح قد يجدي إذا إستعصى القلم , وغنت الدموع ..

 

على منظر طفلة صغيرة تبكي ..

لنغمة رسالة تبكي ..

لصووت يتسلل من المذياع تبكي ..

لزحمة سير تبكي ..

 

إننا لا نعشق الدموع , ولكن حينما يخون القلم  , تكتب الدموع و [ نـبكـي ] ..

 

(تعليقاتكم ستصل إلى قلبي مباشرة , فحديث الروح للأرواح يسري , لا مكان لأقلامكم الطاهره هنا)

 

* حتى التنسيق يخونني هنا 😦

كثيرٌ علي يا تــالا ..

أغسطس 19, 2008

 

حينما تشير الساعة إلى التاسعة صباحاً بتوقيت الرياض , كنت أقف أمامه أرفع رأسي عالياً لأتطلع إلى هامته , تلك الكره الزجاجية التي تزين أعلاه كنت أشعر أن لها عينين لتبادلني النظرات و تعرف ماهي نفسيتي في هذا اليوم. في البداية كنت أشعر بنوع من الجفاء بيني وبينه ربما لم يكن جفاءً بقدر كونه رهبة من غابة الأسمنت هذه ,أو هو قلق داخلي لأني أحتاج أن أتحكم بإعصابي بدقة متناهية قبل أن أصل إلى مكتبي ببرج الفيصليه ,وكجزء من هذا الجفاء كنت دائماً ما أحاول أن أتصيد تلك العيوب التي قد تتواجد في أي مبنى , أترى لأني كنت أحلم بأن يكون لي مكتب في مكانٍ منزوٍ  لايكشف لي زيف هذا العالم  حينما أسرق نظرة خاطفة لما حولي من المباني العتيقة,رما يكون ذلك.

 بمرور الأيام بدأت ملامح الجفاء تزول من علاقتي بهذا البرج , أصبحت أحبه أدافع عنه حينما يضعه البعض في موجه مقارنة مع مثيلاته في الرياض , أشعر بأنه كذلك بدأ يحبني  , أصبح يمنحني الأمان,  يمنحني موقفاً لسيارتي بشكل سريع , يوصل المصعد لي مباشرة حالما أطلبه, و الأجمل والأروع من هذا أنه منحني مكاناً دفائاً أقتنص فيه سويعات لأعيد فيها صياغة ذاتي ,هناك في الدور الحادي عشر يختبئ ذلك المكان المطل على مدينة الرياض والمتصل بهواء هذه المدينة الجميلة المتناقضة ,تلك التي قال عنها بدر بن عبدالمحسن :آه ما أرق الرياض تالي الليل , فعلاً يابدر ما أرق هذه المدينة وما أجملها وما أقساها ,أولا يكفي أنها منحتني مكاناً كهذا أبدأ فيه رحلة عودة للذات كلما أحسست أنني أنا لست أنا, ما أقساها وما أجملها يابدر لأنها منحتني مكاناً أجد فيه ذاتي وتقسو فيه ذاتي على ذاتي, أصبحت زيارة هذا المكان من متطلبات الحياة بالنسبة لي , أذهب وحيدا حينما يستر المساء ماخلفه من الأفراح والأحزان ويغطيها كما تعودنا أن نخفي عيوبنا , أذهب هناك يستقبلني النادل الذي ألف تفاصيل وجهي , بمجرد دخولي أعرف يومها ماهو مزاج مدير “الكفي” اللبناني وذلك من خلال الأغاني التي يختارها , هي في الأغلب إن لم يكن على الدوام لابد أن تكون أغانٍ لبنانية فهو كذلك مثلي يشعر بالغربة هنا ,أختار مكاناً يطل على شارع الثلاثين فإضائته المرتبة بعناية تغريني وتلك البيوت الصغيرة المنتشره خلفه تناديني  , أجلس هناك وأبدأ في رحلة التأمل, أشاهد البيوت وأحاول أن أتخيل أن لكل بيت قصة أرسمها في مخيلتي وأحرص على أشد تفاصيلها , كم هائل من قصص الحب والحزن والظلم والفرح والرحمة رسمتها في تلك البيوت , تفاصيل دقيقة كنت أضعها لأبطال روايتي تلك ,أحداث مؤسفة وأخرى مفرحة , كم من مولود جاء لهذه البيوت وكم مسافر غادرها وكل ذلك في مخيلتي, يأخذني الوقت ولا أشعر بمن حولي , تعودت أن أضع جوالي على وضع الصامت كي لايفسد علي خلوتي , اليوم شعرت بجهازي وهو يهتز أمامي قربته مني , كانت شاشة الجوال تحمل أسم ” ست الحبايب” ردتت مباشرة فأنا أستطيع تجاهل كل هذا الكون إلا هذا الأسم , لم تكن “ست الحبايب” هي المتصله كانت تالا إبنة  خالتي والتي يم يتجاوز عمرها 4 سنوات ,دار بيننا هذا الحوار :

تالا: ألو

أنا : ألو

تالا: ياسر..  نسيت أقولك أني أحبك

أنا ( أريد أن أقول شي ولكن تالا أقفلت الخط )

 

أسقط في يدي ياتالا ,هذا الإتصال الأجمل والأروع والأصدق ,لماذا ياتلا هذا الإتصال , ولماذا الآن بالتحديد؟ أكنت تشعرين بأني محتاج لكلمة مثل هذه الكلمة في مثل هذا اليوم! حللت كل كلمة وردت في جملتك الرائعة ياتالا , كيف بدأتي بندائي بإسمي رغم أني أعلم وأنتي تعلمين أنك تحدثيني وكأنك تريدني أن يكون قلبي كما هو سمعي معك , ثم قلتي قبل أن تعبري عن مشاعرك “نسيت” , وكأن الحب ياتالا حاله متصله بك دائماً إلا أنك نسيتي لفترة هذا الحب , فأتصلتي لتعتذري عن هذا النسيان المؤقت  , أو لأنك تُعبرين دوماً عن الحب ونسيتي للحظة أن تعبري عن هذا الحب, ثم ياتالا أغلقتي الهاتف وكأنك لاتريدين مني أن أعترف بحبي وكأنه رد لجميلك أو مكافئة على هديتك , ما أروعك ياتالا كيف جعلتي ليومي ذاك معنى مختلف , في الحقيقة ليس لذاك اليوم بل لأيام ستأتي ,أتسآئل ياتالا أي قصيدة قرأتيها قبل أن تقولي جملتك تلك , أي أغنية كنت تسمعينها وأنت تقولين هذه الجملة أترى كنتي تستمعين لمحمد عبده وهو يغني لبدر بن عبدالمحسن , أم تراك كنت تسمعين لكاظم وهو يغني من أشعار نزار,أم تراك كنتي للتو أنتهيتي من قرائه فوضى الحواس؟ لا أدري ياتالا من كان ملهمك في هذا الأتصال , إلا أني متأكد أن هذه الجملة خرجت من قلبك , لم يكن أحد بقربك ليلقنك هذه الجملة , حتى لو كان هناك أحد لا يمكن أن يأتي بمثل هذه الجملة ياتالا..

 

 أتدرين في ماذا أفكر ياتالا؟

أفكر بأن أقوم بنفس هذا الإتصال لأي أحد , أريد أن أقول له :نسيت أني أحبك , لكني ياتالا لن أفعلها لأني لا أملك جرئتك ياصغيرتي , لا أمتلك برائتك , لا أمتلك روعتك اللغوية .

 خرجت من ذاك الكفي وكنت أتخيلك تَشْغَلين المقعد الذي بجانبي ,كنت حينها أستمع لمحمد عبده وهو يقول: آه ما أرق الرياض تالي الليل , ثم يتبعها ياتالا بجملة هي الأجمل والأروع فيقول: ألف غصن من اليباس فز لجلك وانثنى , أتراه كان يقصدك هنا ياصغيرتي! , ثم يتوقف قليلا ليأتي بالجملة التي كَتبها لأجل موقفي هذا فيقول : وين أحب الليلة وين, وين أحب ووين أهيم؟ أتتخيلينه ياتالا كان يقولها لي , أم كان يعلم أني سأتلقى منك هذا الإتصال في مثل هذا الوقت في مثل هذه المدينة .

تالا أنا أحبك أيضاً , لكني لم أنسى  أني أحبك ياصغيرتي

* على الهامش*

لم أحب مدونتي كما أحببتها هذه اليومين

ربما لأني وحدي في الرياض , فالكل مسافر

لكني بحق , مستعد للتخلي عنها مقابل سفرة

لأي مكان ..

أسير الذكريات

أغسطس 12, 2008

لا أدري ماهو سر تعلقي الشديد بالذكريات التي مرت بي في حياتي , لا أجد مبرراً واضح لذلك التعلق الكبير والإهتمام الجم الذي أعطيه لذكرياتي , أعشقها لحد الجنون , أتعب بها من حولي حتى أضنهم يملون من صاحبها وكأنه لوحده من عاش الذكريات , وأمارسها دون تكلف.

أمسك بكتاب ذاكرة الجسد أضمه إلى صدري وكأنه جزء من جسدي , أتوجه إلى جامعتي رغم أنني قد أخليت طرفي منها ,أتوجه إلى مكتبة الجامعة ,في طريقي أضطر لركوب المصعد , أطلب المصعد , فيأتيني المصعد الأيمين , أتجاهله وأنتظر لحين وصول المصعد الأيسر وكل الأمر يتعلق بذكرياتي , أركب المصعد  أتوجه إلى الطابق الرابع, لمصعدنا ذاك بابين فهو يفتح من كل الجهتين , أضع وجهي تجاه الباب الذي لن يُفتح , أسمع صوت وصولنا للطابق الرابع أحس بالهواء يلفحني من الخلف ,أعلم بأننا وصلنا إلا أنني أتجاهله وكأني لا أعلم أن هناك باباً خلفياً أستعيد بذالك ذكريات أول أيامي بالجامعة , يوم أن ضحكت كثيراً على نفسي حينما نادني أحدهم ليخبرني بأن لهذا المصعد بابين وأنه قد حان وقت خروجي من المصعد .

أخرج لوحدي من المصعد وإبتسامة من زمن مضى ترتسم في  مخيلتي , أتوجه إلى باب المكتبة , أقف قليلاً عند الباب , كان محمد يقف هنا حينما كنا نأتي سوياً كان يقف لينهي سيجارته قبل دخول المكتبه فهو محرم عليهم إدخالها ,أتذكر قسمات وجهه وهو يحاول أن يأخذ أكبر قدر ممكن من سيجارته , وكأنه غواص سينزل لأعماق البحر دون أسطوانة الأكسجين .

أدخل لباب المكتبة اليوم أدخلها لوحدي , فنحن الآن في إجازة الصيف ويندر وجود الطلاب فيها ,أتجه إلى ركن قصي في المكتبة وكتاب أحلام أصبح جزء مني , أقف عند ذلك الركن أتذكر خمس  سنين ونيفاً مرت علي, كان هذا الركن بيتتاً آخر , كم أتيته ودموعي تتوارى خجلاً من الناس وما إن أصله حتى تبدأ الدموع بالإنهمار , كم قد أتيته والبسمات ترتسم على محياي , أجلس لوحدي وأفتح كتاب أحلام للمرة السابعة أقرأ بضع صفحات , أمل من القرائة كما كنت أمل من المذاكرة, أضع أحلام وذاكرتها جانباً .

أتوجه إلى ركن الصحف , يخيل لي أني أرى إبراهيم أمامي ممسكاً بصحيفته الوردية يقرأ أخبار ناديه المفضل , أقترب منه وأسأله بكل غباء لو “يالحبيب فيه أحد هنا ؟” , يبتسم إبراهيم ويقول : “حياك” , أجلس بقربه ونبدأ في نقاشنا الأبدي حول أنديتنا المفضلة , فإبراهيم شخص تنصر (كما أحب أن أسميه ) , وأنا شخص تهلل , يسرقنا الوقت وكأننا تناسينا أننا أتينا للمذاكرة أنبه إبراهيم “ماودك نروح ندرس؟” , يقول “إسبقني أنا شوي وجايك” , اليوم يا إبراهيم أجلس هنا لوحدي لا يوجد أحد ينافسني على تلك الصحيفة , لايوجد أحد يناقشني حول الهلال أو النصر, أمسك بالوردية لأغطي بها ملامح وجهي, أقرأها أو تقرأني لا أدري من منا يقرأ الآخر , إلا أني أعلم بأني ممسك بها.

أذهب إلى معمل الحاسب الآلي الموجود في المكتبة , أشاهده من خلال الزجاج الذي يحيط به, اليوم لا أملك الحق في إستخدامه ,فرقمي السري قد أخلي طرفه مع إخلاء طرفي , كم من الساعات قضيتها هنا وأنا أكتب بحث التخرج , كم من الحماقات أرتكبتهاهنا , كم من الذكريات دونتها هنا,كم سرق وقتي هذا المعمل , فساعات الدراسة تصبح أيام هنا , لأن الجدية كانت مفقودة وأحسب أنها لم تزل كذلك وهذا أمر محبب لي.

أعود لركني أعيد ذاكرة الجسد إلى جسدي , وأخرج من المكتبه أمر على آلة البيع الذاتي , أدخل ريالً ورقياً وبكل غباء متعمد  أختار رقما لا يوجد به أي شيء , أعلم أني لن أحصل على شيء , إلا أنني حصلت على ذكريات كثيرة , فأمام هذه الآله كم فقد أصحابي من الريالات , كم من الغباء مارسناه حولها, أتذكر أحمد حينما كان يريد أن يحصل على قارورة ماء , لم يكن بجيبه سوى ورقة نقدية واحدة من فئة العشر الريالات , يدخلها أحمد ويشتري بها 10 قوارير من الماء , يدخل علينا في ذك الركن حاملاً تلك المياه في يديه وواضعاً بعضها في جيبيه ,نلوم أحمد على تصرفه , إلا أننا نضحك كثيراً عليه .

أعود لنفس المصعد , هذه المرة ياتيني مصعدي المحبب , المصعد الأيسر أدخله و أغلق الباب بسرعة أخشى ان يأتي أحد ويشاركني خلوتي , أمارس نفس الغباء ولكن مع الباب الآخر , أستمتع كثيراً حينما تأتيني نفحات الهواء لتلفح ظهري معلنةً وصولنا للطابق الأرضي هذه المرة , أنتظر كثيراً قبل أن أخرج منه , أبتعد عن المصعد و أرى بابيه يلتحمان معلنان إغلاقه , أحاول أن أسترق نظرة أخيرة إلى هذا المصعد قبل أن يغلق يخيل لي أن ذكرياتي قد رسمت في هذا المصعد , وكأنه مرسم لفنان تشكيلي , إلا أن الفرق أن المراسم ينبغي أن تكون في زاوية تتعرض للضوء بشكل كبير , أما مرسمي فلا يوجد به سوى ضوء واحد يتيم, وفي مراسمهم يقضي التشكيليون ساعات كثيرة , أما أنا فلا يتجاوز الوقت الذي أقضيه في مرسمي سوى دقائق معدودة مع حماقتي التي أمارسها , أشاهد هذا المصعد يُغلق أمام ناظري , يذهب إلى دور آخر ولوحاتي بداخله تذهب معه , إلا أني أغادر مطمئناً , فلوحاتي لن يفهمها أحد سواي , ولن يتعرض لها أحد سواي فأنا أرسم بألوان تختلف عن تلك التي يرسمون بها .

ويرحل مرسمي  وأرحل..

 

يوم الجمعة , والعادة الأجمل

أغسطس 9, 2008

منذ قرابة الثلاث سنوات تعودت على أمر جميل , أقوم به بعد صلاة مغرب كل يوم جمعة , أعتبر هذا الأمر كواجب إلزامي يجب علي فعله , وأعاقب نفسي أحياناً إن تخلفت عن فعله مع الإستطاعة .

هذا الواجب أو هذه العادة , أمر في غاية البساطة , إلا أنني أجد فيها متعة كبيرة , وأحطم بها روتين أسبوع كامل , وأحتسب الأجر كذلك في هذه العادة.

كل ما أقوم به هو كالتالي :

أنني أخرج ورقه بيضاء فاقع لونها  , وأضع عليها أرقاماً من 1 إلى 9 , أخرج جوالي وأمسكه بيدي اليمنى, أضع إصبعي على قائمة الأسماء في جوالي , أغمض عيني وأبدا بالبحث في قائمة الأسماء , أتوقف حينما يوحى إلي أن أتوقف , أرى الأسم الذي توقفت عنده وأكتبه في الورقة البيضاء التي أمامي مهما كان هذه الأسم سواء لأحد الأقارب أو الأصدقاء أو لمطعم أو لدكتور في الجامعة .. , أكرر هذه العملية 9 مرات  ,أخرج بحصيلة نهائية أمامي وهي 9 أرقام , أقوم بإختيار 4 أرقام منهم وألزم نفسي بالإتصال بهم والسلام عليهم فقط..

هذا كل مافي الأمر , في بعض الأسابيع تكون الحصيلة مغريه , فالأسماء كلها تغري بأن تتصل بها , وبعض الأسابيع على العكس تماما , لكني في كلا الحالتين ألزم نفسي بأن أتصل على 4 منهم ,لذا إن كنت أحد المحظوظين الذين أمتلك رقم هاتفكم بجوالي , فقد يأتيك إتصال مني في الجمعة القادمة , إن لم يأتيك إي إتصال مني , فحاول مرة أخرى J