Archive for the ‘أكتب و تغني الحياة’ Category

تخُصُني ولا أعرِفُها

نوفمبر 22, 2008


يصحبُّني الطبيب إلى الغرفة المجاورة , علاماتُ الدهشة تعلو محياة إثر سؤاله الذي لم أعرف إجابته , هدوء يمتزج برائحة المعقم في الممر الطويل , يَفتحُ بابَ الغرفة الأخرى يقف بمحاذاة الباب يتراجع خطوتين للوراء , يشير بيده إلى ركن قصي يختبئ خلف حاجز أبيض طويل, هناك ستجد مِرآة صغيرة, قف بعض الوقت وتعرف على ملامح وجهك , من المؤسف أن يخبرَك أحدهم عن الجرَاح التي يعرِفُك النّاس بها ولا تعرِفُها..

فتاة..

أكتوبر 25, 2008

 


 

مع ذرات الهواء المحملة برائح البخور تلك الرائحةَ العتيقةْ التي تجر ذاكِرتنا لكل شيءٍ جميل وتلوّن حياتنا برائحة الفرح , تُباعدين بين أزرهِ ثوبي وتخرج كُتلةٌ من البخور فتبتسمي وتهمسي في إذني ستحبّك , صدقني هم يقولون ذلك , أبتعدُ عن المبخرة وأبحث عن مكانٍ قصي يساعدني على الهرب حينما يلامس مسمعي سؤالكِ المعتاد , ويأتي السؤال في نفس الوقت وفي ذات المكان وبنفس الصيغة صبيحة كل جمعة كأذانٍ أول “كيف تريدها يابنيّ” تسكتين للحظات هي أثقل ماتكون علي , ثم تكملين “ فقط أخبرني بمواصفاتها ” أجّتر إبتسامةً مصطنعة أجزمُ أنك تستطيعين رسمها لفرط ما رأيتِها مني, وأبدأ بممارسة دوري المعتاد في التملص من الأجابة, وأخرج سريعاً لأي مكان لا يقودني إلى أن أتحدث عنها, ثقيل وقّعُ هذا السؤال عليّ يا أمّي , تماماً كالحمّى التي أنهكت جسدي قبل أيام وأنا بعيدٌ عنك , أتحاشى أن أجيبَ على سؤالكِ بأي كلمةٍ كانت حتى إيمائاتي أحرِصُ على أن لا تشيّ لك بشيء , أتعلمين لماذا ؟ لأن إجابتي تبرهن على أني “غريب الأطوار” تماماً كما تقول نساءُ الحيّ , ولأن بعض الأسئلة تستدرجنا للحظات ضعف نتحول فيها إلى اللاوعي فنهذي بأشياء لا يفهمها سِوانا ,سؤالك يا أم حقلُ ألغام لايمكن أن أعبره دون خسائر, علامة الإستفهام فيه تأخذ شكل جمجة مخيفة , تخيّرني بين السكوت أو الندم, فأختار الهرب ..

إجابةُ هذا السؤال رغم بساطتها إلا أنها تجثم فوق رئتي وتحدُّ من قدرتي على التنفس , أود أن أحدثك بها أو بجزءٍ منها لينفك عن صدري بعضُ ما أجدهْ , أتمنى أن تستعيري يوماً ذاكرة مؤقتة لأحدهم , وبمجرد أن أنهي إعترافي تنسين ماحدثتك به في لحظة ضعف مني , مخيفةٌ لحظات الإعتراف تأخذك دون أن تعلم لمواجهةِ أُناس كنت تتجنب رؤيتهم من نافذتك وهم يسيرون على الرصيف والآن تضعك أمامهم في طريق لايحتمل سوى عابرٍ واحد , تقول أحلام”الأشياء الحميمة نكتبها ولا نقولها , فالكتابة إعترافٌ صامت” لذا قررت أن أعترف لك بصمت ..

يا أم أريدها أن تكون إنسانةً فقط , أشعر الآن بإبتسامتك التي تعلو محياك ترددين بهمّ “الله يهديك تتصور أني بخطب لك من غير البشر!” لهذا لم أشأ أن أخبرَ أحداً عنها لأنهم جميعاً سيظلمون فتاتي ويظلمون هذه الكلمة , إنسانةٌ يا أم حينما تنتابني نوباتُ الغضب التي تعرفينها فأترك المنزل بحثاً عن أي مكان ألقي فيه حزني , تطلّ علي من النافذةِ العلوية وتصرخ بي , يا أنت يا أنت تذكر أنك تخرج وتترك إنسانةً هاهنا وحدها يسليها بقايا من غضبك , يذوب الغضب وهي تنطقُ كلمةَ إنسانة فأعود لأقبّل جبينها وأعتذر, إنسانةٌ يا أم يعلو صوتُها في منتصف الطريق أن توقف توقف , لأقفَ جانباً وألفُ علامةِ خوف ترتسم في محياي , أسألها مابك فتخرج من محفظتها أوراقاً نقدية وتنحني لتأخذ حذائها, تناولني النقود والحذاء , وتشير برأسها إلى عجوزٍ تفترش الطريق أرجوك أعطِهِ إيّاها , إنسانةٌ يا أم حينما يُسمِعها أحدهم كلماتٍ تجرح كيانها تبتسم أمامهم , وتأتي مساءً لتروي صدري بدموعها , إنسانةٌ يا أم حينما أنفعل في قيادتي فتتجه يدي نحو المنبه بغضب تقول بصوت هادئ تذكر غيفارا* فأتذكر وأبتسم وتعود يدي لمكانها , إنسانةٌ يا أم حينما يُسمعني أحدهم كلاماً جارِاحاً يقللُّ فيه من إنسانيتي, وأعود بائساً لمنزلي أمرُّ بقربها فأُسلِمُ بصوت خافت أو ربّما لا أفعل ذلك , أتجه مباشرة إلى غرفتي أغلق الأضواء وألقي برأسي على سرير الألم في لحظة إنكسار لكلماتٍ عابرة من أحدهم ,تدخل للغرفة تسيرُ على أطراف أصابعها تضع في أذني شيئاً كأنه سماعة مشغل الموسيقى تحرك يدها فيأتي صوت كاظم دافئاً كمعطفِ صوف وهو يقول: ياربُّ إن ضاقت قلوب الناس عمّا فيّ من خير فعفوكَ لا يضيق , أبتسم لهذه الكلمات تدب في روحي الحياة وأكرّرُ بنشوة فعفوك لايضيق , إنسانةٌ يا أمّ لاتستمد بريقها من “ماركات” تزينها بل هي من تصنع الجمال في ماحولها , إنسانةٌ يا أم وحسب ..

 

*هي كلمة سرّ بيني وبينها سنتفق حولها لاحقاً , أجدني في حرج الآن أن هتك هذا السر وهو لمّا يولد بعد ..

بالون وطائرة

سبتمبر 16, 2008

 

وتأتي ذكراكِ مع كُلِ قصيدةٍ أقرأُها , تمسك بيدي وتصحبني لذاك المساءْ وتِلك الكلماتْ , يوم أن أخذتُ أثني على قصيدتكِ كثيراً حتى وَصلتْ بي الحماقة أن أُشبهكِ بالسياب في منديلهِ الأصفر !! قُلتي لي : أنت تبالغ في المدح , وتملأ بالُونِيْ بالهواء فيرتفع كثيراً ويرى الناس من حولهِ صغاراً حتى أنه قد يراك أنت كذلك !! .. قلت لكِ مُباشرة لا تخافي بإبرهٍ واحده أعيد بالُوَنكِ إلى مكانه ودون أن يكون قادراً على التحليق مرةً أُخرى , قُلتي لي بإبتسامة : وأنت كم إبره أحتاج أن أستخدِمها لأُعيدكَ لمكانكَ حينما ترتفع , بادلتك إبتسامتك بتفاصيلها وقلت :لا أنا طائرة بمحرك نفاث لا تستطيع ألف إبرة أن تُسقِطها , يومها لم أجهد نفسي كثيراً في الحصول على تشبيهٍ كهذا , حتى أنتي لم تلقي بالاً لهكذا وصف ,فهو يمر كثيراً في مهاتراتنا الورقية والكلامية ,حينها لم أكن أعلم أني أُقيدُ نفسي بعبارة , لم أكن أتصور أني أضع علاقتنا في إطار كلامي فصلته بيدي ذاتَ حماقة ,اليوم وكل يوم تعود تلك العبارة لتطرق بابي بألم , تعود وأنا أرى طائرتي بمحركها النفاث قد تهاوت على الأرض ,بعاصفةٍ واحدةْ منك أسقطتي طائرتي وأخفيت ملامحها ومات طاقمُها وركابُها , أما أنت فأعظم ما أصاب بالُوَنكِ هو إبرهٌ بسيطة وتقبلها بلا ألم بل وأفرغ الهواء بإرتياح لأنه كان هواءً مسموماً كما يراه , الآن بعد نيفٍ من الهزائم من منا تحمل الضرر الأكبر ! , أطائرةٌ لم يبقى من ملامحها سوى صندوق أسود يختزل ذكريات الرحلة الأليمة ويعيد عرضها كلما حن للجُرح , أم بالُونْ أتعب رئتاً في نفث الهواء فيه , ومنها تعلم كيف يعلو , ومن صدره كان يقتات طعامه ويعلو على أقرانه , واليوم يعود بالونكِ بلا هواء ولكن بتجربة جميلة على الطيران , ورغبه أخرى في تجربة هواءٍ آخر !

عن أُمي أحدثكم

أغسطس 31, 2008

 

 لم يخطر ببالي يوما من الأيام أن أكتب عن أمي , لا أدري كيف أتجرأ الآن وأُحَبِّر هذه الصفحة بكلماتٍ عن أمي , لأني كنتُ ومازلتُ أؤومن أن للغة مهما عظمت حدوداً لا يمكن أن تتجاوزها , وأن هناك أشخاص نظلمهم حينما نصفهم بكلمات هي دارجة في هذه اللغة , وبحروف أبجدية تأخذ مكانها ضمن الـ28 حرفاً , كنت أتمنى أن هناك قاموساً خاصاً بكلمات خاصة , لأكتب فيه عن أمي , لأحدثكم فيه عن حلوة اللبن , أو” يوه” كما أحب أن أناديها بلهجةٍ نجدية قديمة .

 

أعذريني يا أم سأتجاوز حدودي وأكتب عنك , لن أكتب لأجلك , فالكلمات هي من تتشرف حينما تقترن بك , لكني سأكتب من أجلي أنا , سيكون هذا الموضوع هو الأقرب لقلبي, سأقرأه مِراراً وتكراراً كلما خبا فيني الشوق سأعيد قرائته, سأراك تتربعين على عرش صفحتي , ستصلني رائحتك الزكية , وستصلك حتما دموعي الحارة.

 

بعد شهرين أوثلاثة  سأودعك يا أُم وأسافر لإكمال دراستي بإذن الله , حاولت أن أضع سيناريو محتملاً للحظة الوداع , لكني لم أستطع , في كل مرة كانت تغلبني دموعي , وأرفع يديّ مستسلماً ,في النهاية قررت  أن أودع فيك كل يومٍ شيئاً على مدار شهرين قادمين , وفي يوم الوداع الحقيقي سأنهار يا أمي , لأني مهما ودعت فيك فلن أبلغ شيئاً , أنتي التي تقولين دوماً ياياسر حينما تسافر أحكم إغلاق غرفتك , لا أريد أن تصلها أيديهم , وأنا أعلم أنك تريديني أن أغلقها لكي لا ترهقكِ ذكرياتي , هناك في قلبكِ الحنون أعلم أني أشغل مكاناً آمناً , أما أنا يا أم فسأضع في حقيبتي معطفاً لكِ , سأصحبه معي سأجفف به دموعي تلك التي تسبقني الآن , سأشمه في كل يوم قبل أن أنام , بل سأحضنه يا أم وأنام , من الآن ولمدة شهرين قد تستيقظي ذات مساء وتشاهدي طفلك الكبير قد تمدد بقرب سريرك ,إبنك الذي سيفتقد كثيراً صوتك الدافيء الذي يتسلل مع أذان الفجر ليوقظه للصلاة , سأحن كثيراً لدعوتك تلك التي تغلفين بها خوفي وترددي حينما يصحبني , وتضعينها كربطة عنق تقترب من أعلى صدري وصوتك الخاشع يطرز ثناياها وأنتي تقولين : ” الله يخليك لعينٍ ترجيك” , وأي عينٍ ترجيني سواك يا أم! سأشتاق كثيراً لهذه الدعوة .

 

سأذهب هناك وكل همي أن أجعلك فخورة بإبنك , أريدك أن ترفعي رأسكِ عالياً, تماما كما فعلتي يوم تخرجي , أتذكري ذاك اليوم , كم كنت سعيداً أنه تم إختياري لألقي كلمة الخريجين لم أفرح لنفسي ,بل فرحت لك يا أم, خبئت عنك ذلك الخبر , كنت أريدكِ أن ترفعي رأسك عالياً وهم ينادون على إبنك ليلقي كلمة الخريجين , كنت أتحدث وأمامي راعي الحفل , كانوا قد أشاروا إلي أن أوجهة نظري لسموه , ولكن كانت عيناي تبحث عنكِ* وأنا ألقي كنت أصمِتُ قليلاً لأتخيل شعورك وقتها , ماذا تراك كنتي تعملين في هذه اللحظة  أتراك كنت تبكين أم تستمعين أم تسجلين صوت إبنك ؟ في آخر الكلمة كانت هناك كلمة شكر أوجهها للأمهات , أتذكري يا أمي أني بكيت حينها , غالبت دمعتي لكنها غلبتني , من أجلك أنت يا أم ذرفت تلك الدمعة , أتراك كنتي فخورةً بي! , بعد الحفل مباشرة كان الأصحاب يهنئون بعضهم , أما أنا فخلعت مشلحي وذهبت لمنصة الأمهات ولبسته مرةً أخرى وأتيت إليك , كنت أتمنى يومها أن أرى تفاصيل وجهك الذي أخفاه النقاب , كنت أريد أن أرى دموعك ياأُم , أتذكرين يوم أن حظنتيني وبكيتِ بصوت عاليٍ , وأنا كذلك بكيت يا أم ولكن بصوت أقل حده وأقل ألقاً من صوتك بكيت , وسأبكي يا أم , أتذكر دموعك وهي تعانق صدري , وتتذكرين دموعي التي طالما عانقت حضنك الدافئ , لكن شتان بين دموعنا يا أم , فدموعي حزن وألم , ودموعك فرح بإبنك .

 

أحاول أن أصمد أمام طوفان عواطفي تجاهك , لكني أنهار مرة أخرى وأنا أقلب في جوالي , لتأخذني أصابعي إلى حافظة كنت قد خبئتها في ركنٍ قصي , وعنونتها بـ”روائعهم” , بها 7 رسائل , خمسة منهن تحمل إسم “ست الحبايب” أقرأها وأبكي يا أم , أبكي على صدقها , أبكي على روعة أخطائها الإملائية لإمرأة تحمل من شهادات الدنيا الكفائة المتوسطة, أذكر تفاصيل كل رسالة ومتى أرسلتيها , حتى شعوري لحظة أن وصلتني تلك الرسائل , أشعر بأنها لوحة أمام ناظري وماعلي إلا أن أتأمل في تفاصيلها, أعرف رسائلك من أخطائك الإملائية , فحين لا يكون بقربكِ أحد تضطرين لأن تكتبي بنفسك وهو أمر شاق لإمرأة مثلك , أشعر أني أريد أن أبكي من رسائلك التي كتبتها بيدك , على عكس الرسائل التي تصل من هاتفك , لكني أعلم أن مي أو نجلاء قد إرتكبتا ذنب كتابتها , أتذكرين يا يوه رسالتك التي تقولين فيها :”وش اخبرك وصتي عندالعال الله يحفصك امين” كم بكيت يا أم حينما وصلتني هذه الرسالة , كنت تريدين أن تقولي : ” وش أخبارك وصلت عند العيال الله يحفظك آمين” أتذكرينها ! اليوم يا أم مر عامٌ كامل على هذه الرسالة , أرسلتها لي الصيف الماضي حينما كنت مسافراً لمحمد وخالد وعزيز بلندن , كنتي تريدين أن تطمئني على إبنك أوصل أم لا , يا أم ترهقني هذه الرسالة كثيراً , تبكيني يا أم كثيراً , أقف حائراً أمامها, أم تراك تذكرين رسالتك تلك التي أرسلتها ذات صباح ولم يكن لنجلاء أو مي أن يصحوا صباح أحد أيام الصيف فأرسلتي لي تقولين : “الله يطعمك من خيره وكفك شرها امن” كنت تقصدين وظيفتي الجديدة وتدعين لي , حروفك بأخطائها الإملائية تأخذ حيزاً كبيراً في قلبي , أشعر بصدقها , أريد أن أقبل رأسك حينما تأخذني يدي إليها , على عكس رسائل مي ونجلاء الخالية من الأخطاء اللغوية كدعواتك الصادقة , ياااا أم هل لك أن تعذريني , الآن رأيت رسالةً كتبتها بيديك لكني نسيت يا أم متى أرسلتها ولماذا , أعذريني يا أم  فلا أذكر شيئاً عن حروفك التي كتبتها يوم أن أرسلت لي : ” الله يحفصك ورعك” أعلم أنها دعوة خالصة بالحفظ والرعاية , لكن أرجوك يا أم سامحي إبنك فقد نسى تفاصيلها , أعلم أنك ستفعلي ..

 

سامحيني يايوه فقد تجرأت كثيراً , وكتبت عنك , وأي حماقةٍ أفعلها أكبر من أكتب عنكِ , أنا الذي قد عاهدت نفسي أن تبقى مكانتك بقلبي وأترجمها بأفعالي , اليوم أتجرأ عليك وأكتب عنك يا أمي ,قد يكون الله رزقني أب هو أب فحسب , لكنه رزقني أماً هي أم وأب وصديق وأخ , كيف لي أن أجسد كل هؤلاء بحروف يكتبها غيري , وبكلمات يتقنها غيري أكثر مني ,سامحيني يا أم سأنام الآن وأنا أحتضن رسالتك التي كتبتها لي قبل 10 سنوات وختمتها بعبارة أمك المحبة الجوهرة , يا أم في كل يوم أقرأ هذه الرسالة وأحتظنها قبل أن أنام , أعطرها من الخلف لأني أخشى على حروفها من الكحول , وحروفها أسكرتني كثيرا يا أم , سامحيني سأنام الآن لكي لا أتعبك وأنت توقظيني غداً لصلاة الفجر ياجوهرتي.**

 

*في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يسمح بحضور الأمهات لحفل التخرج والحمدلله 🙂

 **بحق أعتذر منكم على التنسيق الذي يكرر خيانته لي , أجد حرجا في أن أطلب من أحدهم مساعدةً ما .

أسير الذكريات

أغسطس 12, 2008

لا أدري ماهو سر تعلقي الشديد بالذكريات التي مرت بي في حياتي , لا أجد مبرراً واضح لذلك التعلق الكبير والإهتمام الجم الذي أعطيه لذكرياتي , أعشقها لحد الجنون , أتعب بها من حولي حتى أضنهم يملون من صاحبها وكأنه لوحده من عاش الذكريات , وأمارسها دون تكلف.

أمسك بكتاب ذاكرة الجسد أضمه إلى صدري وكأنه جزء من جسدي , أتوجه إلى جامعتي رغم أنني قد أخليت طرفي منها ,أتوجه إلى مكتبة الجامعة ,في طريقي أضطر لركوب المصعد , أطلب المصعد , فيأتيني المصعد الأيمين , أتجاهله وأنتظر لحين وصول المصعد الأيسر وكل الأمر يتعلق بذكرياتي , أركب المصعد  أتوجه إلى الطابق الرابع, لمصعدنا ذاك بابين فهو يفتح من كل الجهتين , أضع وجهي تجاه الباب الذي لن يُفتح , أسمع صوت وصولنا للطابق الرابع أحس بالهواء يلفحني من الخلف ,أعلم بأننا وصلنا إلا أنني أتجاهله وكأني لا أعلم أن هناك باباً خلفياً أستعيد بذالك ذكريات أول أيامي بالجامعة , يوم أن ضحكت كثيراً على نفسي حينما نادني أحدهم ليخبرني بأن لهذا المصعد بابين وأنه قد حان وقت خروجي من المصعد .

أخرج لوحدي من المصعد وإبتسامة من زمن مضى ترتسم في  مخيلتي , أتوجه إلى باب المكتبة , أقف قليلاً عند الباب , كان محمد يقف هنا حينما كنا نأتي سوياً كان يقف لينهي سيجارته قبل دخول المكتبه فهو محرم عليهم إدخالها ,أتذكر قسمات وجهه وهو يحاول أن يأخذ أكبر قدر ممكن من سيجارته , وكأنه غواص سينزل لأعماق البحر دون أسطوانة الأكسجين .

أدخل لباب المكتبة اليوم أدخلها لوحدي , فنحن الآن في إجازة الصيف ويندر وجود الطلاب فيها ,أتجه إلى ركن قصي في المكتبة وكتاب أحلام أصبح جزء مني , أقف عند ذلك الركن أتذكر خمس  سنين ونيفاً مرت علي, كان هذا الركن بيتتاً آخر , كم أتيته ودموعي تتوارى خجلاً من الناس وما إن أصله حتى تبدأ الدموع بالإنهمار , كم قد أتيته والبسمات ترتسم على محياي , أجلس لوحدي وأفتح كتاب أحلام للمرة السابعة أقرأ بضع صفحات , أمل من القرائة كما كنت أمل من المذاكرة, أضع أحلام وذاكرتها جانباً .

أتوجه إلى ركن الصحف , يخيل لي أني أرى إبراهيم أمامي ممسكاً بصحيفته الوردية يقرأ أخبار ناديه المفضل , أقترب منه وأسأله بكل غباء لو “يالحبيب فيه أحد هنا ؟” , يبتسم إبراهيم ويقول : “حياك” , أجلس بقربه ونبدأ في نقاشنا الأبدي حول أنديتنا المفضلة , فإبراهيم شخص تنصر (كما أحب أن أسميه ) , وأنا شخص تهلل , يسرقنا الوقت وكأننا تناسينا أننا أتينا للمذاكرة أنبه إبراهيم “ماودك نروح ندرس؟” , يقول “إسبقني أنا شوي وجايك” , اليوم يا إبراهيم أجلس هنا لوحدي لا يوجد أحد ينافسني على تلك الصحيفة , لايوجد أحد يناقشني حول الهلال أو النصر, أمسك بالوردية لأغطي بها ملامح وجهي, أقرأها أو تقرأني لا أدري من منا يقرأ الآخر , إلا أني أعلم بأني ممسك بها.

أذهب إلى معمل الحاسب الآلي الموجود في المكتبة , أشاهده من خلال الزجاج الذي يحيط به, اليوم لا أملك الحق في إستخدامه ,فرقمي السري قد أخلي طرفه مع إخلاء طرفي , كم من الساعات قضيتها هنا وأنا أكتب بحث التخرج , كم من الحماقات أرتكبتهاهنا , كم من الذكريات دونتها هنا,كم سرق وقتي هذا المعمل , فساعات الدراسة تصبح أيام هنا , لأن الجدية كانت مفقودة وأحسب أنها لم تزل كذلك وهذا أمر محبب لي.

أعود لركني أعيد ذاكرة الجسد إلى جسدي , وأخرج من المكتبه أمر على آلة البيع الذاتي , أدخل ريالً ورقياً وبكل غباء متعمد  أختار رقما لا يوجد به أي شيء , أعلم أني لن أحصل على شيء , إلا أنني حصلت على ذكريات كثيرة , فأمام هذه الآله كم فقد أصحابي من الريالات , كم من الغباء مارسناه حولها, أتذكر أحمد حينما كان يريد أن يحصل على قارورة ماء , لم يكن بجيبه سوى ورقة نقدية واحدة من فئة العشر الريالات , يدخلها أحمد ويشتري بها 10 قوارير من الماء , يدخل علينا في ذك الركن حاملاً تلك المياه في يديه وواضعاً بعضها في جيبيه ,نلوم أحمد على تصرفه , إلا أننا نضحك كثيراً عليه .

أعود لنفس المصعد , هذه المرة ياتيني مصعدي المحبب , المصعد الأيسر أدخله و أغلق الباب بسرعة أخشى ان يأتي أحد ويشاركني خلوتي , أمارس نفس الغباء ولكن مع الباب الآخر , أستمتع كثيراً حينما تأتيني نفحات الهواء لتلفح ظهري معلنةً وصولنا للطابق الأرضي هذه المرة , أنتظر كثيراً قبل أن أخرج منه , أبتعد عن المصعد و أرى بابيه يلتحمان معلنان إغلاقه , أحاول أن أسترق نظرة أخيرة إلى هذا المصعد قبل أن يغلق يخيل لي أن ذكرياتي قد رسمت في هذا المصعد , وكأنه مرسم لفنان تشكيلي , إلا أن الفرق أن المراسم ينبغي أن تكون في زاوية تتعرض للضوء بشكل كبير , أما مرسمي فلا يوجد به سوى ضوء واحد يتيم, وفي مراسمهم يقضي التشكيليون ساعات كثيرة , أما أنا فلا يتجاوز الوقت الذي أقضيه في مرسمي سوى دقائق معدودة مع حماقتي التي أمارسها , أشاهد هذا المصعد يُغلق أمام ناظري , يذهب إلى دور آخر ولوحاتي بداخله تذهب معه , إلا أني أغادر مطمئناً , فلوحاتي لن يفهمها أحد سواي , ولن يتعرض لها أحد سواي فأنا أرسم بألوان تختلف عن تلك التي يرسمون بها .

ويرحل مرسمي  وأرحل..