Archive for 16 مايو, 2009

محاولة متأخرة للعودة

مايو 16, 2009


 

 

ساعات الإنتظار الطويلة في مواقف الحافلات , شنطتي التي تستند على كتفي الأيمن وتتدلى من جنبي الأيسر ,مدام بوفاري وفاصل الصفة 69 الذي لم يتغير منذ زمن , ومحمد يردد “كل المواعيد وهمّ” يسكت برهه ثم يأخذني بيمينه ويهمس في أذني “و يضيع الشارع بصمتي” , إنتظاري للون الأخضر يزين إشارة مرور المشاة ,حديقة الحي التي باتت تعرفني جيدا , تمريرات طارق التايب التي ماعدت أشاهدها ,الأصحاب الذين يصرون على عودتي لهذا المكان , وسؤالك الذي يأتي كما هو دوماً في كل مرة تأتين فيها مع بدايات الحزن لتنهية , مع بداية الشوق لتشعلية , مع حنين الدموع يأتي صوتك كمنديل يمسحها مع درجات الحرارة المنخفضة يأتي سؤالك كمعطف صوف يغطيني وتسأليني ( ناقصك شي ياولدي , تدفى
زين ) وتأتي الإجابة الزائفة مني ( أبشرك يمه كل شي تمام الحمدلله , والجو مررره دفى ) , لا أذكر أني أخبرتك عما ينقصني عدا مرة واحده فقط أخبرتك عن شيء ينقصني وضحكتي حينها , لأني كنت أضحك وأنا أحدثك , أتذكرين حينما طلبت منك أن ترسلي الخادمة يوم واحد فقط تعيد ترتيب غرفتي وتتولى كي جميع الملابس التي تقف في طابور الإنتظار , فعلاً ينقصني هذا الشيء لكن لاشيء ينقصني كـصوتك الدافئ الذي يتسلل مع أذان الفجر ويدك تطرق الباب لتشعلي جميع الأضواء في الغرفة وتطفئ التكييف وصوتك المبحوح حينها ( يالله ياياسر قم صل الفجر ) نبرة صوتك تلك أفتقدها كثيراً , حاولت أن أتصل عليك في أوقات مختلفة لأسمعها لكني لم أوفق , أتذكرين حينما كنت أتصل بك في أوقات نومك , متوهماً أني لا أعلم كم الساعة في مدينتي, أيقظك من نومك الهادئ ,أعلم ذلك لكني فقط كنت أريد أن أسمعها , إلى الآن لم تأتي تلك النبرة , والآن بعد هذا الإعتراف أعدك أني لن أكرر الإتصال بك في وقت نومك , ماذا عنك يا أمي أتراك تذكريني كذلك مع كل فجر حينما تتنقلين بين غرفة مي وعبدالله تقفي قليلاً في الغرفة التي في منتصف المسافة بينهم تتردي قليلاً ,أخالك تفتحي باب غرفتي تتأكدي أن كل شي على مايرام وترسلي دعوة غيبة كتلك التي أراها في إبتسامة الصباح وأعلم أنك حينها مررت على غرفتي , الغريب يا أم أن أكثر الأصوات التي أفتقدها كانت صوتك وصوت ميمي الصغيرة التي تأتي في كل وقت غير مناسب وهي ترفع صوتها بأيحائات منك ( خالي ياسر خالي ياسر أنا ديت ) أفتقدها كثيراً تلك الصغيرة , لا أدري لماذا تصاب برهبة حينما أحدثها ويعقد على لسانها لتكرر فقط نفس السؤال ( أنت في لندن !) ميمي التي تقلقني صرخاتها فأهب مسرعاً لأرى مابها وتطمئنيني دوما بأنها “تتدلع” ليس إلا , بالمناسبة يا أمي أتذكرينها تلك المرأة التي كانت تفزعني في نومي أتتني قبل أيام , تذكرتك حينها لم أستطع أن آتي لغرفتك وأفتعل سببا يجعلني أراك في منتصف الليل ليطمئن قلبي , كانت تخالني وحيداً لذا أتت مسرعة لتفزعني , إلا أني لم أكن وحيداً يا أمي, كانت بقربي تلك الفتاة التي كنتي توصيها عليها , تلك التي حطمت كل مراكب اليأس التي كانت تقف على شاطئ وأعادت صياغة مبادئي, تلك التي أخالك وأنتي تحديثينها عني تخفضي صوتك حتى لا أسمعك لكنها باتت تعرفني جيدا كما تعرفيني أنتي .

تحدث كثيراً يا أمي وأنا قد عودت نفسي على أن لا أتحدث , منذ أتيت إلى هنا والقلم ماعاد لي والكلام أصبح غريباً عني ,الآن دورك أرجوك تحدثي أسمعك جيداً حدثيني عنك وعنها , عن أم فهد , عن الأشياء التي أحبها والأشياء التي لا أحبها , عن كل شيء عن أي شيء , عن جهاز التسخين الذي أعطبته يداي قبل أن أغادر , عن الببغاء الذي يزعجك كل صباح , عن الأشخاص الذين تصادفينهم يلبسون عطري الخاص كما كنت ألبسه , عن قهوة العصر , عن خالي خالد , عن الأيام الحزينة التي تنتظرني أعلم أنك تسرّينها في قلبك لكن حدثيني عنها المهم أن لا تسكتي فسكوتك أكبر حزن أواجهه , ودموعك التي تخالط صوتك أصبحت قاسية ..

وأكبر ألم أني ماعدت أكتبك ..