Archive for 25 أكتوبر, 2008

فتاة..

أكتوبر 25, 2008

 


 

مع ذرات الهواء المحملة برائح البخور تلك الرائحةَ العتيقةْ التي تجر ذاكِرتنا لكل شيءٍ جميل وتلوّن حياتنا برائحة الفرح , تُباعدين بين أزرهِ ثوبي وتخرج كُتلةٌ من البخور فتبتسمي وتهمسي في إذني ستحبّك , صدقني هم يقولون ذلك , أبتعدُ عن المبخرة وأبحث عن مكانٍ قصي يساعدني على الهرب حينما يلامس مسمعي سؤالكِ المعتاد , ويأتي السؤال في نفس الوقت وفي ذات المكان وبنفس الصيغة صبيحة كل جمعة كأذانٍ أول “كيف تريدها يابنيّ” تسكتين للحظات هي أثقل ماتكون علي , ثم تكملين “ فقط أخبرني بمواصفاتها ” أجّتر إبتسامةً مصطنعة أجزمُ أنك تستطيعين رسمها لفرط ما رأيتِها مني, وأبدأ بممارسة دوري المعتاد في التملص من الأجابة, وأخرج سريعاً لأي مكان لا يقودني إلى أن أتحدث عنها, ثقيل وقّعُ هذا السؤال عليّ يا أمّي , تماماً كالحمّى التي أنهكت جسدي قبل أيام وأنا بعيدٌ عنك , أتحاشى أن أجيبَ على سؤالكِ بأي كلمةٍ كانت حتى إيمائاتي أحرِصُ على أن لا تشيّ لك بشيء , أتعلمين لماذا ؟ لأن إجابتي تبرهن على أني “غريب الأطوار” تماماً كما تقول نساءُ الحيّ , ولأن بعض الأسئلة تستدرجنا للحظات ضعف نتحول فيها إلى اللاوعي فنهذي بأشياء لا يفهمها سِوانا ,سؤالك يا أم حقلُ ألغام لايمكن أن أعبره دون خسائر, علامة الإستفهام فيه تأخذ شكل جمجة مخيفة , تخيّرني بين السكوت أو الندم, فأختار الهرب ..

إجابةُ هذا السؤال رغم بساطتها إلا أنها تجثم فوق رئتي وتحدُّ من قدرتي على التنفس , أود أن أحدثك بها أو بجزءٍ منها لينفك عن صدري بعضُ ما أجدهْ , أتمنى أن تستعيري يوماً ذاكرة مؤقتة لأحدهم , وبمجرد أن أنهي إعترافي تنسين ماحدثتك به في لحظة ضعف مني , مخيفةٌ لحظات الإعتراف تأخذك دون أن تعلم لمواجهةِ أُناس كنت تتجنب رؤيتهم من نافذتك وهم يسيرون على الرصيف والآن تضعك أمامهم في طريق لايحتمل سوى عابرٍ واحد , تقول أحلام”الأشياء الحميمة نكتبها ولا نقولها , فالكتابة إعترافٌ صامت” لذا قررت أن أعترف لك بصمت ..

يا أم أريدها أن تكون إنسانةً فقط , أشعر الآن بإبتسامتك التي تعلو محياك ترددين بهمّ “الله يهديك تتصور أني بخطب لك من غير البشر!” لهذا لم أشأ أن أخبرَ أحداً عنها لأنهم جميعاً سيظلمون فتاتي ويظلمون هذه الكلمة , إنسانةٌ يا أم حينما تنتابني نوباتُ الغضب التي تعرفينها فأترك المنزل بحثاً عن أي مكان ألقي فيه حزني , تطلّ علي من النافذةِ العلوية وتصرخ بي , يا أنت يا أنت تذكر أنك تخرج وتترك إنسانةً هاهنا وحدها يسليها بقايا من غضبك , يذوب الغضب وهي تنطقُ كلمةَ إنسانة فأعود لأقبّل جبينها وأعتذر, إنسانةٌ يا أم يعلو صوتُها في منتصف الطريق أن توقف توقف , لأقفَ جانباً وألفُ علامةِ خوف ترتسم في محياي , أسألها مابك فتخرج من محفظتها أوراقاً نقدية وتنحني لتأخذ حذائها, تناولني النقود والحذاء , وتشير برأسها إلى عجوزٍ تفترش الطريق أرجوك أعطِهِ إيّاها , إنسانةٌ يا أم حينما يُسمِعها أحدهم كلماتٍ تجرح كيانها تبتسم أمامهم , وتأتي مساءً لتروي صدري بدموعها , إنسانةٌ يا أم حينما أنفعل في قيادتي فتتجه يدي نحو المنبه بغضب تقول بصوت هادئ تذكر غيفارا* فأتذكر وأبتسم وتعود يدي لمكانها , إنسانةٌ يا أم حينما يُسمعني أحدهم كلاماً جارِاحاً يقللُّ فيه من إنسانيتي, وأعود بائساً لمنزلي أمرُّ بقربها فأُسلِمُ بصوت خافت أو ربّما لا أفعل ذلك , أتجه مباشرة إلى غرفتي أغلق الأضواء وألقي برأسي على سرير الألم في لحظة إنكسار لكلماتٍ عابرة من أحدهم ,تدخل للغرفة تسيرُ على أطراف أصابعها تضع في أذني شيئاً كأنه سماعة مشغل الموسيقى تحرك يدها فيأتي صوت كاظم دافئاً كمعطفِ صوف وهو يقول: ياربُّ إن ضاقت قلوب الناس عمّا فيّ من خير فعفوكَ لا يضيق , أبتسم لهذه الكلمات تدب في روحي الحياة وأكرّرُ بنشوة فعفوك لايضيق , إنسانةٌ يا أمّ لاتستمد بريقها من “ماركات” تزينها بل هي من تصنع الجمال في ماحولها , إنسانةٌ يا أم وحسب ..

 

*هي كلمة سرّ بيني وبينها سنتفق حولها لاحقاً , أجدني في حرج الآن أن هتك هذا السر وهو لمّا يولد بعد ..

Advertisements

أوهام وهزائم صغيرة

أكتوبر 13, 2008

 


كقِطعةٍ نقدية كلا وجهيها يحملان نفس الصورة كنت أقذفها عالياً وأختار الخيار الغير موجود أصلاً على أمل أنه سيأتي, غداً سأكتب بالتأكيد غداً سأُشفى من حزني وسأكتب , سيظهرُ الوجه الآخر للعُمله وسأكتب أي شيء المهم أن أكتب,هكذا قضيت أياماً خلت .. خلال فترة إنتظاري لوجه العملة الغير موجود لم أتمكن من كتابة أي شيء ,حتى أني لم أجرؤ على زيارة مدونتي ولو بتعليق عابر , كنت أحاول أن أخطب ود قلمي , لكنه كان يتنكر لي , كنت أحتاجه كثيراً , ملبوس بالآحزان بائس جداً , تحديداً منذ رحل عزيز , حاولت أن أكتب لكني لم أستطع , رغم كل هذا الجفاء بيني وبين قلمي , لم أجرؤ أن أُبعده عني , كان قريباً مني , تماماً كنبتة خضراء تُنقي الجو من جزيئات ثاني أكسيد الكربون التي ينفثها صدري المتعب , وتمدني بأكسجين نقي , لذا كنت أقربه مني لأتنفس , ليس هذا فحسب بل لأني أشعر أن يوماً ما سيأتي وسيمكنني هذا القلم من نفسه .

حدث ذلك , يوم أن إستفزني واسيني الأعرج بمقولة قرأتها له على عُجالة , كنت أتصور أنها ستكون عِبارة كبقية العبارت التي أقرأها في أيام ضعفي , أضع إشارة حولها بلون أحمر أن سأعود لك يوماً لأقرئك بذهن صافٍ , إلا هذه العبارة كان وقع أحرفها قاسٍ جداً على يافع في عالم القلم وهو يقرأ واسيني يقول (عندما نكتب نتقاسم مع الناس أوهامنا , وبعض هزائمنا الصغيرة!)
لم أتجاوز هذه العبارة قبل أن أتأكد هل أنا من الذين يقصدهم واسيني في نون الجمع أم أني أختلف عنه , لو كنت كذلك لكتبت الآن وهزيمتي كبيرة , لكن مع ذلك لم أكتب يا سيدي ,أتصور أني أكتب حينما تكون قطرات الحبر ذرات أكسجين تنعش الجو , أكتب لأعيش في الغالب ,أممم هل يعني هذا أني إن توقفت عن الكتابة لن أتمكن من مواصلة العيش , لا أتصور ذلك , واسيني هل تريد الحقيقة لا أعرف متى أكتب , هو ناموس يأتيني فأكتب , لا أستطيع أن أحدد متى يأتي هذا الناموس ..

ماذا عنكم يارفاق* متى تكتبون ؟

 

*كنت سأقول لكم ياأصدقاء لولا أن كزانتزاكيس يقول ( لا تبحث عن أصدقاء وإنما عن رفاق)